الدبلوماسية الإماراتية.. علاقات استراتيجية مع العالم | صحيفة الخليج



أبوظبي: عماد الدين خليل

حققت السياسة الخارجية والدبلوماسية الناجحة لدولة الإمارات على مدى 51 عاماً منذ تأسيس الدولة عام 1971 إنجازات عالمية ونجاحات كبيرة عززت من مكانتها المرموقة التي تتبوّأها على المستويين الإقليمي والدولي لاتسامها بالسلام والإخاء والحرص على نشر قيم التعاون والتواصل والتكامل بين دول العالم وشعوبه، كما حققت انفتاحاً واسعاً على العالم الخارجي أثمر عن إقامة شراكات متعددة مع العديد من الدول في مختلف قارات العالم.

وتتبنى دولة الإمارات سياسة خارجية وعلاقات قوية نشطة قوامها التوازن والاعتدال، وتسير على مبدأ ونهج تعزيز الأمن والسلام والتنمية المستدامة في مختلف أرجاء المنطقة والعالم والإخاء بين البشر، وهو مبدأ أرسى دعائمه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في مقولته الشهيرة: «إننا نسعى إلى السلام، ونحترم حق الجوار، ونرعى الصديق»، وسار على خطاه المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رحمه الله، وتؤكده القيادة الحكيمة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، بجهوده الحثيثة وعلاقاته القوية بين الدول لإحلال السلام والأمن في العالم، وذلك من منطلق إدراك القيادة الرشيدة أن للدولة موقعاً مسؤولاً على الصعيد العربي والإقليمي والدولي.

مع احتفال دولة الإمارات بمرور 51 عاماً على تأسيسها يوم 2 ديسمبر/ كانون الأول، تستمر الدبلوماسية الإماراتية في القيام بدورها على أحسن وجه، وفقاً للمبادئ العشرة لدولة الإمارات العربية المتحدة للخمسين عاماً القادمة، والتي اعتمدها المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رحمه الله، في القرار رقم 15 لسنة 2021، لتمثل مرجعاً لجميع المؤسسات في الدولة لتعزيز أركان الاتحاد وبناء اقتصاد مستدام، وتسخير جميع الموارد لمجتمع أكثر ازدهاراً، وتطوير علاقات إقليمية ودولية لتحقيق مصالح الدولة العليا ودعم أسس السلام والاستقرار في العالم، والدعوة للسلم والسلام والمفاوضات والحوار لحل كافة الخلافات هي الأساس في السياسة الخارجية لدولة الإمارات، والسعي مع الشركاء الإقليميين والأصدقاء العالميين لترسيخ السلام والاستقرار الإقليمي والعالمي الذي يعتبر محركاً أساسياً للسياسة الخارجية.

جهود كبيرة

ونجحت الدبلوماسية الإماراتية تحت قيادة سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي، في إطلاق العديد من المبادرات التي تمت صياغتها لخدمة أبناء الوطن وشعوب العالم أجمع بالإضافة إلى دورها في تحقيق العديد من الإنجازات التي أسهمت بدورها في تعزيز مكانة الدولة ونشر فكر ورؤية القيادة الإماراتية لقيم الإخاء الإنساني، ورفع المعاناة عن الإنسان بصرف النظر عن جنسه أو دينه، وتعميق قيم السلام العالمي وحل النزاعات بالطرق السلمية وعبر الحوار.

وتتجلى جهود سموه في التقدير الدولي الذي نراه لدولة الإمارات والذي يأتي انعكاساً طبيعياً لما تحظى به دولة الإمارات من صورة إيجابية فاعلة ومتسامحة على الصعيدين الإقليمي والدولي وهو تقدير تقف وراءه سياسة حكيمة وقيادة رشيدة عملت بجد وجعلت من الإمارات عنواناً للحكمة والاعتدال والتعايش والسلام والانفتاح على الجميع.

وتقيم دولة الإمارات علاقات دبلوماسية مع نحو 200 دولة حول العالم، وتوجد على أراضيها نحو 110 سفارات أجنبية، و75 قنصلية عامة، فضلاً عن مقرات ل 15 منظمة إقليمية ودولية، ويصل عدد سفاراتها في الخارج إلى ما يقارب 70 سفارة، و11 قنصلية، وثلاث بعثات دائمة، لتعزز مكانتها ودورها الفاعل على الساحتين الإقليمية والدولية، ونسج علاقات قوية مع دول العالم شرقاً وغرباً على أسس الاحترام المتبادل، والتزام حل النزاعات بين الدول بالحوار والطرق السلمية، والوقوف إلى جانب قضايا الحق والعدل والإسهام في دعم الاستقرار والسلم الدوليين وتعزيز التعايش الإنساني.

علاقات مميزة

وتتسم دبلوماسية الإمارات الناجحة بالرشد والاتزان مستمدة من ركائز أساسية وثوابت راسخة وضعتها القيادة الرشيدة لدولة الإمارات للحرص على إقامة علاقات مميزة مع دول العالم مع مراعاة حسن الجوار واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والعمل على نشر مبادئ السلام ما أثمر عن إقامة شراكات وتحالفات قوية مع دول العالم، لتستهدف نصرة القضايا والمصالح العربية والإسلامية وتوثيق أواصر الصداقة والتعاون مع جميع الدول والشعوب على أساس ميثاق الأمم المتحدة والأخلاق والمثل الدولية.

وتواصل الدبلوماسية الإماراتية على صعيد علاقة الدولة بأشقائها التعبير عن مواقف الدولة التاريخية القائمة على دعم قضايا الدول العربية الشقيقة والوقوف معهم ودفع الظلم عنهم وسطرت في سبيل ذلك أروع البطولات وجادت بكوكبة من شهدائها البواسل الذين سطروا الأمجاد والملاحم بدمائهم الغالية.

وعملت دولة الإمارات مع أشقائها سواء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية أو جامعة الدول العربية أو المجموعات الدولية الأخرى على مساندة كل المساعي والجهود الدبلوماسية الممكنة من أجل احتواء بؤر التوتر والصراعات في منطقة الشرق الأوسط وسط مبدأ التأكيد على ضرورة حل الخلافات بالطرق السلمية والعمل على تعزيز تدابير بناء الثقة القائمة على أساس احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وذلك انطلاقاً من إدراكها لمسؤوليتها في العمل من أجل الحفاظ على متطلبات الأمن والسلم والاستقرار الإقليمي والدولي.

الدبلوماسية العامة

وتتبوّأ دولة الإمارات المرتبة لأولى إقليمياً، والعاشرة عالمياً في قوة التأثير وفق «مؤشر القوة الناعمة العالمي» للعام 2022، حيث تهدف الاستراتيجية إلى إعداد منظومة حكومية شاملة لبلورة برامج وسياسات عمل مستدامة ذات بعد إقليمي وعالمي، يشمل كافة مقوّمات الدولة الاقتصادية والثقافية والفنية والسياحية والإنسانية والمجتمعية، مع التركيز على الثقل الإنساني والحضاري والبناء على سمعتها، وإبراز الصورة الحضارية لدولة الإمارات وإرثها وهويتها وثقافتها المميزة.

وتتألف استراتيجية القوة الناعمة لدولة الإمارات من 7 محاور أساسية تشكل إطار الدبلوماسية العامة لدولة الإمارات وهي: الدبلوماسية الإنسانية، ودبلوماسية الشخصيات والتمثيل الدولي، والدبلوماسية الشعبية، والدبلوماسية العلمية والأكاديمية، والدبلوماسية الثقافية والإعلامية، والدبلوماسية الاقتصادية، والهوية الموحدة.

مكتسبات نوعية

وتعد الدبلوماسية الإماراتية أداة لتحقيق طموحات الدولة والمنسجمة مع الاستراتيجية الوطنية حيث تمثل استضافة الإمارات لمقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة IRENA ومعرض إكسبو دبي 2020 وإنشاء أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية وتوقيع الاتفاق الإبراهيمي والوصول بمسبار الأمل للمريخ والحصول على عضوية مجلس الأمن واختيار الإمارات كموقعٍ لعقد مؤتمر COP28 مكتسبات نوعية ومتناغمة تستشرف أهداف الدبلوماسية الإماراتية في الخمسين عاماً القادمة، فهي تجسد نموذج الدولة الناجحة المنفتحة على العالم والحاضنة لأحلام أبنائها وتطلعاتهم.

ولا تقتصر علاقات الإمارات الواسعة مع غالبية دول العالم على الجوانب الدبلوماسية والسياسية فحسب، وإنما تشمل الجوانب الاقتصادية التي تظهر تأثيراتها الإيجابية المباشرة في حياة المواطن الإماراتي، الأمر الذي يجعل من السياسة الخارجية الإماراتية إحدى أدوات خدمة المصالح العليا للدولة، ويأتي على رأسها توفير حياة كريمة للمواطنين من خلال تسخير أجهزة ومؤسسات الدولة الداخلية والخارجية لبناء اقتصاد قوي يحقق الرفاهية وجودة الحياة لأبناء الوطن.

عاصمة السلام

ويعد توقيع «وثيقة الأخوّة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك» على أرض دولة الإمارات في العاصمة أبوظبي بتاريخ 4 فبراير/ شباط عام 2019 بين فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، وقداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية، تأكيد على دور دولة الإمارات والقيادة الرشيدة لإرساء السلام بين شعوب العالم، ليأتي بعد ذلك اعتمادها من الجمعية العامة للأمم المتحدة وبالإجماع اليوم الدولي للأخوّة الإنسانية 4 فبراير/ شباط من كل عام.

ويشكل توقيع الوثيقة موقفاً تاريخياً جديداً تقديراً لأهميتها كإنجاز غير مسبوق بهدف تحقيق السلام والاستقرار بين كافة مكونات البشرية، بفضل رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وما قدمه للبشرية لتتقدم وترتقي وتعزز التلاقي والتكاتف، كما أثبتت جهود سموه المباركة قدرة استثنائية على صناعة الفارق والتأسيس لحقبة جديدة من التقارب لما أوجدته من أرضية تتسع الجميع.

وتترجم جهود دولة الإمارات في هذا الإطار في احتضانها أكثر من 200 جنسية تنعم بالحياة الكريمة والاحترام والمساواة، وخير دليل على الانفتاح على العالم من السمات الأصيلة في سياسة الدولة الخارجية، وهو يعكس طبيعة مجتمعها المحلي الذي يتسم بالانفتاح على الثقافات والحضارات المختلفة، كما تعد الدولة حاضنة لقيم التسامح والاعتدال وتقبل الآخرين، ولتعزيز هذا المفهوم أطلقت الدولة البرنامج الوطني للتسامح، وشرعت قانون مكافحة التمييز والكراهية، وأسست عدة مراكز لمكافحة التطرف والإرهاب.

مكافحة التطرف

تعد الإمارات من الدول السباقة في تبني مواقف واضحة في مواجهة التطرف والإرهاب والعنف والقوى التي تقف وراءها وتشجعها، كما أطلقت الدولة البرنامج الوطني للتسامح، وشرعت قانون مكافحة التمييز والكراهية، وأسست عدة مراكز لمكافحة التطرف والإرهاب ليس للتصدي للإرهاب فحسب، بل لمحاربة الأيديولوجيات المتطرفة التي تغذي العنف الذي تمارسه الجماعات الإرهابية بمنتهى الوحشية ومنها تنظيم «داعش» و«القاعدة» الإرهابيين وغيرها، فمن الناحية القانونية، قامت دولة الإمارات بإصدار العديد من القوانين والتشريعات لتجريم أي عناصر ترتبط بالتنظيمات الإرهابية.

وبذلت دولة الإمارات جهوداً كبيرة لتعزيز نظام مواجهة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وذلك من خلال القوانين التي أصدرتها والخطوات التي تتخذها.

إنجازات دبلوماسية

وترتبط الإنجازات الدبلوماسية لدولة الإمارات بسعادة مواطنيها وهناك العديد من الإنجازات المرتبطة بهذا الشأن منها توقيع دولة الإمارات العربية المتحدة والاتحاد الأوروبي في مايو/أيار 2015 بمجلس الاتحاد الأوروبي في بروكسل اتفاقية ثنائية يعفى بموجبها مواطني الدولة من تأشيرة «الشنغن»، وهو اتفاق تاريخي ونجاح جاء لتتويج الشراكة الإماراتية الأوروبية القوية والمتنامية لتتوالى بعدها توقيع العديد من الاتفاقيات لإعفاء مواطني الدولة من تأشيرة الدخول إلى بريطانيا واليابان وغيرها من دول العالم.

وضمن الإنجازات الدبلوماسية للدولة يواصل جواز السفر الإماراتي تعزيز صدارته منفرداً في المركز الأول عالمياً بصفته أقوى جواز سفر في العالم، من إعفاءاته من التأشيرة المسبقة، ليمنح بذلك حامله من دخول 177 دولة حول العالم، حيث يتيح الجواز الإماراتي دخول 177 دولة، منها 120 من دون تأشيرة مسبقة، و57 يمكن الحصول على تأشيرتها عبر الإنترنت، أو لدى الوصول إلى الدولة، وبنسبة تزيد على 88% من دول العالم، كما قلّص عدد الدول التي تحتاج إلى تأشيرة إلى 21 دولة فقط من أصل 198 دولة معتمدة لدى الأمم المتحدة.

إرادة شعبويترجم قوة وسياسة الإمارات الخارجية والدبلوماسية التي تتسم بها فوز دولة الإمارات برئاسة لجنة الأمم المتحدة للاستخدام السلمي للفضاء الخارجي «كوبوس»، أحد أكبر اللجان في الأمم المتحدة، والتي تضم في عضويتها 100 دولة، وذلك في إنجاز جديد للدبلوماسية الإماراتية يعكس نجاح سياستها الخارجية، حيث يتولى عمران أنور شرف، مدير مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ منصب رئيس الجنة وتستمر رئاسة الإمارات للجنة التي تأسست لأول مرة العام 1959، وتتبع مكتب الأمم المتحدة لشؤون الفضاء الخارجي لمدة عامين 2022-2023.

المواطنون وتنطوي هذا الإنجازات على الكثير من المعاني والدلالات المهمة منها قوة دولة الإمارات على الساحة الدولية والصورة الإيجابية للمواطنين الإماراتيين في الخارج، باعتبارهم يعبرون عن نموذج الإمارات في الانفتاح والتعايش المشترك والاندماج مع الثقافات والحضارات المختلفة لدول العالم، كما تعد براعة في طرح القضايا الوطنية باقتدار وإنجازا يعكس بوضوح مقدار الجهد الذي بذلته الدبلوماسية الإماراتية بقيادة سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي.

وتجسد وزارة الخارجية والتعاون الدولي مقومات المجتمع الإماراتي، فكانت وما تزال نافذته على العالم والعين الساهرة على مواطني الدولة في الخارج، يُنشر من خلالها فكر ورؤية القيادة الإماراتية، التي تؤكد قيم الإخاء الإنساني، وتدعو دائماً إلى رفع المعاناة عن الإنسان بصرف النظر عن جنسه أو دينه، مشددة على ضرورة تعميق قيم السلام العالمي، وحل النزاعات بالحوار وبالطرق السلمية.

السلك الدبلوماسي

وعلى صعيد تمكين المرأة تواصل الدبلوماسية الإماراتية جهودها في مجال تعزيز المشاركة السياسية للمرأة، حيث فتحت باب تعيين المرأة الإماراتية في وزارة الخارجية والتعاون الدولي كدبلوماسيات في الدولة وخارجها واستحدثت إجراءات للتوفيق بين المسؤوليات الأسرية والمهنية مكنت بذلك المرأة من العمل في المجال السياسي، وحتى عام 2019 بلغ عدد النساء الإماراتيات في السلك الدبلوماسي والقنصلي في مقر الوزارة 234 عضوة، بالإضافة إلى 42 من النساء العاملات في السلك الدبلوماسي في البعثات الخارجية لدولة الإمارات، ووجود 7 سفيرات في السلك الدبلوماسي في وزارة الخارجية.



المصدر الأصلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *