تركيا والإجماع الأوروبي المفقود | صحيفة الخليج



مايكل تانشوم *

في ال25 من سبتمبر/أيلول، كان من المفترض أن يجتمع رؤساء دول الاتحاد الأوروبي ال27 دولة في المجلس الأوروبي في بروكسل؛ للتصويت على فرض عقوبات على تركيا.

كان موضوع الخلاف هو تعدي أنقرة غير القانوني على اليونان وقبرص. وعلى وجه التحديد أرسلت تركيا، ولا تزال ترسل، سفناً؛ للتنقيب عن موارد الطاقة تحت سطح البحر في المياه السيادية للبلدين. وأُجّل التصويت لمدة أسبوع؛ بسبب دخول رئيس المجلس في الحجر الصحي؛ لكن بالنسبة لأنقرة، فإن التأجيل يمثل فقط شيئاً واحداً لا مفر منه: الطلاق المحتمل من أوروبا، وجمدت العلاقات المضطربة بين الطرفين في عام 2018، عندما أرسلت أنقرة زوارقها البحرية إلى شرق البحر المتوسط؛ لوقف سفينة حفر تابعة لشركة «إيني»، كانت في طريقها للتنقيب عن الغاز قبالة ساحل قبرص. وفي ذلك الوقت، صوّت المجلس على تجميد مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وعُلّق العمل على تحديث الاتحاد الجمركي للكتلة الأوروبية مع جارتها الشرقية.

ولمعاقبة تركيا، سيحتاج المجلس الأوروبي إلى الحصول على موافقة بالإجماع من قبل جميع الأعضاء، ولكن قد يكون ذلك بعيد المنال، وفي بداية سبتمبر/ أيلول، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون: إن تركيا تحت حكم رجب طيب أردوغان «لم تعد شريكاً» في شرق البحر الأبيض المتوسط، وحث أوروبا على اتخاذ «موقف موحد»؛ لحشد دعم لوقف تدخلاتها في اليونان وقبرص. وكان ماكرون يستهدف من هذا الحث إيطاليا، المنافس الأوروبي التقليدي لفرنسا في البحر المتوسط، والتي كانت من بين أقوى المدافعين عن توثيق العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وتركيا.

ويبدو أن البحر المتوسط ينقسم إلى قسمين، قسم يدعو لاتخاذ إجراءات رادعة ضد تركيا، والذي يضم اليونان وقبرص وفرنسا، وقسم يعترض على العقوبات، ويضم إيطاليا ومالطا وإسبانيا؛ لكن في حال تحوّلت إيطاليا نحو صف فرنسا، فمن المحتمل أن يستقر الاتحاد الأوروبي على شكل من أشكال العقوبات.

وتمثل أكبر أربع دول في حوض البحر الأبيض المتوسط، مصر وتركيا وفرنسا وإيطاليا، أكثر من نصف سكان المنطقة، وتحدد قواعد اللعبة الكبرى في البحر الأبيض المتوسط. كما أن التنافس بين هذه الدول للسيطرة على موارد الطاقة في المنطقة وطرق العبور التجارية؛ هو ما يحدد الجغرافيا السياسية الإقليمية، إضافة إلى أنها لعبت دوراً في الحرب الأهلية الليبية.

ويعد قرار إيطاليا بالانحياز إلى جانب حكومة الوفاق الوطني وتركيا جزءاً من جهد أوسع؛ لحماية مصالحها في مجال الطاقة في ليبيا، والتركيز على حوض البحر الأبيض المتوسط. وأسهمت عملية إعادة التوازن الإقليمية هذه بتفوق الصادرات الإيطالية إلى أسواق البحر المتوسط على صادرات الولايات المتحدة والصين؛ لكن على الرغم من التقدم التجاري لإيطاليا وقربها من الشواطئ الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، فإن وصول البلاد للأسواق في شمال إفريقيا كان مقيداً بنفوذ فرنسا الكبير.

ويتعلق الخلاف الأبرز بين تركيا والاتحاد الأوروبي بجزيرة قبرص المقسمة إلى شطرين؛ إذ تسيطر الحكومة القبرصية اليونانية على القسم الجنوبي وتحظى باعتراف دولي، كما أنها عضو في الاتحاد الأوروبي. بينما يخضع الشطر الشمالي «قبرص التركية» لسيطرة تركيا منذ عام 1974، ولا تعترف بها إلا تركيا.

وتُجري تركيا عمليات تنقيب في المنطقة المحيطة بقبرص والقريبة من اليونان باعتبارها شريكاً. وعلى الجانب الآخر، تعترض قبرص اليونانية واليونان على ذلك وتعدانه انتهاكاً لسيادتهما ومياههما الإقليمية، بينما تؤكد تركيا أنها تنقب داخل جرفها القاري، الأمر الذي دعا على إثره الاتحاد الأوروبي تركيا إلى احترام الحقوق السيادية لقبرص.

وحتى مع وجود تضامن بين دول الاتحاد الأوروبية في منطقة البحر المتوسط، سيظل من الصعب الحصول على تصويت بالإجماع من قبل 27 دولة لمعاقبة تركيا. وفي المقابل، من المحتمل أن تختار أوروبا تطبيق عقوبات أقل شدة على أنقرة، كما تُحجم دول الاتحاد الأوروبي الشرقية التي تمثل روسيا في المقام الأول عن استعداء أنقرة.

* أستاذ العلاقات الدولية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في جامعة «نافارا» (فورين بوليسي)



المصدر الأصلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *